محمود محمود الغراب

85

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

محبوبه ، فيفنى في حبه في الحق أشد من فنائه في أشكاله ، فإنه في حب أشكاله فاقد في غيبته ظاهر المحبوب ، وإذا كان الحق هو المحبوب فهو دائم المشاهدة ، ومشاهدة المحبوب كالغذاء للجسم ، به ينمى ويزيد ، فكلما زاد مشاهدة زاد حبا . ( ف ح 2 / 323 - ذخائر الأعلاق - ف ح 2 / 606 - ح 3 / 409 - ح 2 / 606 ، 325 ) ولما كان الشوق يسكن باللقاء والاشتياق يهيج باللقاء ، وهو الذي يجده العشاق عند الاجتماع بالمحبوب ، لا يشبع من مشاهدته ولا يأخذ نهمته منه ، لأنه كلما نظر إليه زاد وجدا به وشوقا مع حضوره معه ، كما قيل : ومن عجب أني أحن إليهم * وأسأل شوقا عنهم وهم معي وتبكيهم عيني وهم في سوادها * وتشتاقهم نفسي وهم بين أضلعي فالعاشق إن راح المعشوق لم يرح خياله ، والمحب إذا ذهب المحبوب لم يذهب مثاله ، فالصبابة به أبدا معلقة ، وزفرة وجده في ضلوعه محرقة ، يقول المحب : ما للوجد تجرعني كاسه ، ما له تحرقني أنفاسه ؟ ! ويل للشجي من الخلي . ( ف ح 2 / 325 ، 326 - تاج الرسائل ) فإذا ظهر الحب في حبة القلب ، وعمّ الإنسان بجملته ، وأعماه عن كل شيء سوى محبوبه ، وسرت تلك الحقيقة في جميع أجزاء بدنه وقواه وروحه ، وجرت فيه مجرى الدم في عروقه ولحمه ، وغمرت جميع مفاصله فاتصلت بوجوده ، وعانقت جميع أجزائه جسما وروحا ، ولم يبق فيه متسع لغيره ، وصار نطقه به ، وسماعه منه ، ونظره في كل شيء إليه ، ورآه في كل صورة ، وما يرى شيئا إلا يقول : هو هذا ؛ حينئذ سمي ذلك الحب عشقا ، كما حكي عن زليخا أنها افتصدت ، فوقع الدم في الأرض فانكتب به يوسف يوسف ، في مواضع كثيرة حيث سقط الدم ، لجريان ذكر اسمه مجرى الدم في عروقها كلها ؛ وهكذا حكي عن الحلاج لما قطعت أطرافه ، انكتب بدمه في الأرض اللّه اللّه ، حيث وقع ، ولذلك قال رحمه اللّه : ما قدّ لي عضو ولا مفصل * إلا وفيه لكم ذكر